عبد الوهاب الشعراني

383

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

دعهما يا أبا بكر فإنه يوم عيد وأطال الشيخ في ذلك ثم قال : ولما كان هذا اليوم يوم حظوظ النفوس شرع أيضا تكرار التكبير في الصلاة ليتمكن من قلوب الناس ما ينبغي للحق تعالى من الكبرياء والعظمة لئلا يشغلهم حظوظ نفوسهم عن كمال مراعاة حقه جل وعلا . قال : وبما قررنا يعرف حكمة ترك التنفل قبل صلاة العيد إذ المقصود في هذا اليوم فعل ما كان مباحا على جهة الندب خلاف ما كان عليه ذلك الفعل في سائر الأيام فلا يتنفل في ذلك اليوم سوى بصلاة العيد خاصة لأن الحكم إذا كان مربوطا بوقت ، غلب على ما لم يكن مربوطا بوقت وأيضا فإنه إنما ندب اللعب والفرح والزينة في هذا اليوم تذكيرا بسرور أهل الجنة ونعيمهم فلا يدخل مع ذلك مندوب آخر يعارضه ثم إذا زال زمان ذلك الحكم المربوط فحينئذ يبادر العبد إلى سائر المندوبات ويرجع ما كان مندوبا إليه في ذلك اليوم مباحا فيما عداه من الأيام وهذا كله فعل الحكيم العادل في القضايا فإن لنفسك عليك حقا ، واللهو واللعب والطرب في هذا اليوم من حق النفس فلا تكن يا أخي ظالما لنفسك وأعطها حقها انتهى . ( فإن قلت ) : فهل يلحق بالسنة الصحيحة في وجوب الإذعان لها ما ابتدعه المسلمون من البدع الحسنة ؟ ( فالجواب ) : كما قاله الشيخ في الباب الثاني والستين ومائتين : إنه يندب الإذعان لها ولا يجب كما أشار إليه قوله تعالى : وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ [ الحديد : 27 ] وكما أشار إليها قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من سن سنة حسنة ، فقد أجاز لنا ابتداع كل ما كان حسنا وجعل فيه الأجر لمن ابتدعه ولمن عمل به ما لم يشق ذلك على الناس » وأخبر أن العابد للّه تعالى بما يعطيه نظره إذا لم يكن على شرع من اللّه تعالى معين يحشر أمة وحده يعني : بغير إمام يتبعه فجعله خيرا وألحقه بالأخيار كما قال في حكيم بن حزام أسلمت على ما أسلفت من خير وكان سأله عن أمور تبرر بها في الجاهلية من عتق وصلة رحم وكرم وأمثال ذلك وقال أيضا في حق إبراهيم عليه الصلاة والسلام إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ [ النحل : 120 ] وذلك قبل أن يوحى إليه وفي الحديث : « بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » فمن كان على مكارم الأخلاق فهو على شرع من ربه وإن لم يعلم هو ذلك واللّه أعلم .